عمر فروخ
496
تاريخ الأدب العربي
( أنت ) الأمر واحتل في قتله . وكان للملك بستان اتّخذه لخلواته فيه حوض تنصبّ إليه الأمواه ، وكان كلّ ليلة يدخل البستان ويتطهّر من ذلك الحوض ويشتغل طول الليل بعبادة اللّه . فحفر الملعون في طريقه بئرا وغطّاها بالحشيش . فقام الملك في الليل ودخل البستان على عادته المعهودة ، وتوجّه نحو الحوض على ذلك الطريق فتردّى في قعر الحفرة . فلمّا رأى العدوّ ذلك بادر إليها وطمّها بالتراب وسوّاها بالأرض . فاستولى الضحّاك على ملك العرب وأطاعه جميع الأمراء . ثم تبدّى له إبليس بعد ذلك في زيّ شابّ رشيق . . . وعرض نفسه عليه وقال : أنا صانع حاذق أطبخ ألوان الأطعمة وأحسن خدمة الملوك . فقبله ( الضحّاك ) وقلّده المطبخ الخاصّ . فلم يزل يبدع في ألوان الأطعمة « 1 » ويخترع كلّ يوم شيئا لا يشبه الآخر - وكان أكلهم في أول الأمر من نوع واحد - . فلمّا رأى الملك ذلك أعجبه ومال اليه كلّ الميل . . . . فدخل عليه يوما فقال له ( الضحّاك ) : اقترح عليّ حاجة أقضيها لك ، فإنّ من الواجب مراعاة مثلك والإحسان إليك . فأطلق لسانه بالدعاء للملك وقال : مالي حاجة غير بقائك ودوام ملكك وثبات دولتك ، فإن كان لا بدّ من سؤال فأرجو أن يمكّنني الملك حتّى أقبّل منكبيه وأتشرّف بذلك . فأذن له فيه ، فتقدّم وقبّل منكبيه ثم ساخ في الأرض واستتر عن العيون . فأخرج اللّه تعالى من كلّ واحد من منكبيه حيّة سوداء ، فهاله ذلك وأزعجه وأحضر الأطباء فأمروه بقطعهما . فلمّا قطعتا نبتتا في الحال مثل الأوّل . ففرّق أصحابه في الأطراف في طلب الأطبّاء حتّى جمعوا منهم خلقا كثيرا فعجزوا عن معالجة ذلك الداء وحسم مادّته . فجاء إبليس في زيّ طبيب إلى باب الملك فأدخل عليه فقال : هذا قضاء أجراه اللّه عليك ! لا بدّ من تربية كلتي الحيّتين وإطعامهما حتّى يستريح الملك ؛ ولا يصلح طعامهما إلّا من أدمغة الناس . فإنّه ان فعل ذلك يقلّ اضطرابهما
--> ( 1 ) يقول الفردوسي في هذا الموضع : زهر كونه از مرغ واز چارپاي * خرد كرد ويك يك بياور بجاى ( من كل نوع من الطير ومن ذوات الأربع - البهائم ، النعم - صنع أطعمة وكان يجيء بها واحدا واحدا إلى المائدة ) .